يرى الكاتب جريج بنس، في مستهل مقاله، أن السياسة الأمريكية تجاه إيران تعكس إيمانًا قديمًا بفكرة فرض الإرادة عبر القوة الخشنة، خاصة في عهد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. ويعتبر أن واشنطن تراهن على استراتيجية “الضغط الأقصى” عبر العقوبات والعزل الدبلوماسي والتهديد العسكري، أملاً في إجبار طهران على التراجع عن برنامجها النووي ونفوذها الإقليمي، لكن هذه المقاربة تتجاهل طبيعة النظام الإيراني وقدرته الطويلة على التكيّف والصمود.
وأشار موقع ميدل إيست مونيتور إلى أن إيران بنت، خلال عقود، شبكات تحالف إقليمية وأدوات نفوذ سياسية وعسكرية سمحت لها بتحويل الضغوط الخارجية إلى عنصر تعبئة داخلية، ما جعل العقوبات أداة تعزز خطاب “المقاومة” بدل أن تُضعف النظام.
استراتيجية القوة الأمريكية تعمّق أزمات الشرق الأوسط
يوضح المقال أن الإدارات الأمريكية المتعاقبة اعتمدت، منذ غزو العراق عام 2003، على التدخل العسكري والعقوبات والاحتواء بوصفها وسائل لحماية “الاستقرار الإقليمي”، لكن النتائج جاءت عكسية في كثير من الأحيان. فقد أدى تفكيك مؤسسات الدولة العراقية إلى تصاعد العنف الطائفي وظهور تنظيمات مسلحة، بينما انتهت الحرب في أفغانستان بانسحاب أمريكي وفوضى سياسية بعد عقدين من القتال.
ويؤكد الكاتب أن واشنطن لا تزال تنظر إلى الشرق الأوسط من زاوية الهيمنة الأمنية لا من زاوية الحلول السياسية، وهو ما يدفع المنطقة نحو دوائر متكررة من التصعيد. كما يرى أن العقوبات الاقتصادية الواسعة لا تدفع إيران إلى الاستسلام، بل تدفعها إلى رفع تكلفة المواجهة عبر تهديد الملاحة في الخليج وتوسيع استخدام الحلفاء الإقليميين.
ويضيف أن الولايات المتحدة تمتلك تفوقًا عسكريًا هائلًا، لكن هذا التفوق لا يمنحها القدرة على التحكم بنتائج أي حرب شاملة مع إيران. فاندلاع مواجهة واسعة قد يفتح الباب أمام استهداف منشآت النفط وإغلاق الممرات البحرية واشتعال جبهات متعددة في الشرق الأوسط، ما سيؤدي إلى اضطرابات اقتصادية عالمية وأزمات طويلة المدى.
العقوبات والتهديدات تعزز خطاب النظام الإيراني
يشير الكاتب إلى أن واشنطن أخطأت حين افترضت أن الضغوط الاقتصادية ستؤدي تلقائيًا إلى انهيار النظام الإيراني أو خضوعه للشروط الأمريكية. فالتجارب السابقة مع كوبا وكوريا الشمالية أثبتت أن الأنظمة العقائدية غالبًا ما تتحول إلى مزيد من التشدد تحت الحصار.
ويرى أن إيران أكثر تعقيدًا من تلك النماذج، بسبب حجمها السكاني وموقعها الجغرافي وتشابك نفوذها الإقليمي. كما أن القيادة الإيرانية تنظر إلى العقوبات باعتبارها محاولة لإسقاط النظام لا مجرد وسيلة تفاوض، ولذلك تتعامل مع التصعيد بوصفه ضرورة استراتيجية لا خيارًا مؤقتًا.
ويلفت المقال إلى أن انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي أضعف ثقة الحلفاء الأوروبيين في السياسة الأمريكية، وخلق انقسامًا غربيًا بشأن كيفية التعامل مع طهران. ففي الوقت الذي تحاول فيه أوروبا الحفاظ على قنوات الحوار، تواصل الإدارة الأمريكية التصعيد، ما يمنح إيران مساحة أوسع للمناورة السياسية والاقتصادية.
الشرق الأوسط يدفع ثمن سياسات الهيمنة والصدام
يخلص الكاتب إلى أن الأزمة لا ترتبط بإيران وحدها، بل بعقلية سياسية تعتبر القوة العسكرية أداة كافية لإعادة تشكيل المنطقة. ويؤكد أن هذه المقاربة تجاهلت تأثير الكرامة الوطنية والشرعية الداخلية والواقع الاجتماعي في تشكيل مواقف الشعوب والدول.
ويحذر من أن أي حرب جديدة لن تقتصر آثارها على إيران أو الولايات المتحدة، بل ستمتد إلى اقتصادات المنطقة وأسواق الطاقة والاستقرار العالمي. كما يرى أن الحل الحقيقي يتطلب العودة إلى الدبلوماسية الواقعية، وربط الضغوط السياسية بمسارات تهدئة واضحة بدل تحويل المنطقة إلى ساحة استنزاف دائم.
ويختتم المقال بالتأكيد على أن واشنطن تمتلك القدرة العسكرية لمواجهة إيران، لكنها تحتاج إلى حكمة سياسية تدرك أن القوة وحدها لا تكفي لصناعة الاستقرار، وأن استمرار نهج التصعيد قد يقود الشرق الأوسط إلى فوضى أكثر اتساعًا وكلفة على الأجيال المقبلة.
https://www.middleeastmonitor.com/20260513-why-washington-keeps-hitting-a-wall-with-iran/

